تناقش الكاتبة ليبي ما في هذا المقال كيف يستطيع الإنسان تحويل التجارب القاسية إلى نقطة انطلاق نحو النضج النفسي، مؤكدة أن القدرة على التعافي لا تعني تجاهل الألم أو إنكار المعاناة، بل تعني اكتساب مهارات تساعد على التكيف مع الأزمات واستعادة التوازن النفسي. وتستند الكاتبة إلى تجربتها العائلية، إلى جانب أبحاث علم النفس، لتوضح أن الأمل الواقعي والعلاقات الداعمة يلعبان دورًا محوريًا في تعزيز الصمود بعد الشدائد.
وتوضح مجلة سايكولوجي توداي أن دراسات علم النفس الحديثة تشير إلى أن بعض الأشخاص لا يكتفون بالتعافي من الصدمات، بل يحققون نموًا نفسيًا حقيقيًا بعدها، بفضل تطوير أساليب فعالة لإدارة المشاعر، وإعادة تفسير التجارب المؤلمة، وبناء شبكة من العلاقات الإيجابية التي تمنحهم الدعم والثقة خلال الأزمات.
المرونة النفسية تبدأ بالأمل الواقعي لا بالأمنيات
تستهل الكاتبة المقال بقصة جدتها الكبرى التي واجهت مآسي قاسية في بدايات القرن العشرين، بعدما فقدت زوجها وعاشت سنوات طويلة في ظروف قاسية حرمتها من التعليم والاستقلال. إلا أن فرصة بسيطة لرعاية بقرة وبيع حليبها منحتها موردًا ماليًا خاصًا، الأمر الذي أعاد إليها الإيمان بإمكانية تغيير حياتها، حتى استطاعت في النهاية شراء حريتها.
وترى الكاتبة أن هذه القصة تجسد مفهوم الأمل الواقعي، وهو الأمل القائم على خطوات عملية لا على الأمنيات المجردة، مشيرة إلى أن شقيقتها كانت تردد دائمًا أن الأمل يصبح قوة عندما يبقى مرتبطًا بالواقع، أما إذا تحول إلى أوهام فإنه يقود إلى خيبة جديدة.
وتؤكد أن المرونة النفسية تمثل قدرة الإنسان على استعادة توازنه بعد الأزمات، إذ تساعده على مواجهة المخاوف، وتنظيم انفعالاته، وإعادة النظر إلى المشكلات من زوايا مختلفة، والبحث عن حلول بدلاً من الاستسلام لليأس، وهو ما يجعل بعض الأشخاص يخرجون من المحن أكثر قوة وخبرة.
النمو بعد الصدمة حقيقة علمية لكن قياسه ليس سهلًا
تعرض الكاتبة نتائج أبحاث قادتها الباحثة الأمريكية إيمي فيرنر، التي تابعت أطفالًا نشأوا في ظروف أسرية صعبة داخل جزيرة كاواي في هاواي، ولاحظت أن نسبة منهم استطاعت تجاوز تلك الظروف لتصبح شخصيات ناجحة ومتوازنة. وأرجعت الدراسة هذا النجاح إلى وجود شخص بالغ داعم في حياتهم، مثل معلم أو قريب أو مقدم رعاية، وفر لهم الشعور بالأمان والثقة.
كما تستعرض أبحاث عالمي النفس ريتشارد تيديشي ولورانس كالهون، اللذين قدما مفهوم "النمو بعد الصدمة"، ويقصد به التطور الإيجابي الذي قد يطرأ على بعض الناجين من التجارب القاسية، حيث يعيدون ترتيب أولوياتهم، ويزداد تقديرهم للحياة، وتنمو لديهم مشاعر الامتنان والتعاطف، ويركزون بصورة أكبر على ما يمنح حياتهم معنى حقيقيًا.
لكن المقال يشير أيضًا إلى وجود نقاش علمي حول هذا المفهوم، إذ يرى بعض الباحثين، ومنهم أنتوني مانشيني، أن كثيرًا من الدراسات تعتمد على تقييمات ذاتية قد تعكس شعور الشخص بأنه أصبح أفضل، دون وجود دليل موضوعي يثبت حدوث تغير فعلي في شخصيته أو سلوكه.
وتوضح الكاتبة أن بعض الدراسات فرقت بين النمو الحقيقي والنمو المتصور، إذ قد يشعر الناجي بأنه تطور نفسيًا، بينما يصعب قياس هذا التطور بصورة دقيقة، خاصة في غياب معلومات واضحة عن حالته قبل وقوع الصدمة.
إعادة تفسير التجارب السلبية تعزز التعافي النفسي
ترى الكاتبة أن تجاوز الأزمات لا يعني بالضرورة تحول الإنسان إلى شخص أكثر تفاؤلًا، لكنه يمنحه فرصة لاكتساب مهارات جديدة تساعده على التعامل مع الحياة بمرونة أكبر. وتشير إلى أن خبراتها الشخصية علمتها عدم الاستغراق في الحسرة على الماضي أو الانشغال المفرط بما كان يمكن أن يحدث، وهو ما ساعدها على تجاوز كثير من المواقف الصعبة.
وتلفت إلى أن العلاج السلوكي المعرفي يقدم إحدى أكثر الوسائل فاعلية لتعزيز المرونة النفسية، من خلال ما يعرف بإعادة التقييم المعرفي، وهي عملية تدفع الفرد إلى إعادة تفسير الأحداث بطريقة أكثر واقعية واتزانًا، بما يسمح له برؤية الجوانب الإيجابية واستخلاص الدروس من التجارب المؤلمة.
وتوضح أن التأمل في التجارب السابقة يساعد الإنسان على اكتشاف الفوائد التي لم يكن يراها في البداية، كما أن النظر إلى الأخطاء باعتبارها فرصًا للتعلم يعزز الثقة بالنفس ويقلل من تأثير الفشل على الصحة النفسية.
وتختتم الكاتبة بالتأكيد على أن المرونة ليست صفة يولد بها الإنسان، بل مهارة يمكن تنميتها مع الوقت عبر التفكير الواقعي، وتنظيم المشاعر، والاعتماد على العلاقات الداعمة، والاحتفاظ بأمل يستند إلى العمل والسعي، لأن هذه العوامل تمنح الإنسان القدرة على النهوض من جديد مهما بلغت صعوبة المحن.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/brainstorm/202607/can-we-grow-after-disaster

